الهند.. من سياسات الحد من الإنجاب إلى التحذير من تراجع المواليد

تشهد الهند تحولاً ديموغرافياً لافتاً بعد عقود من اعتماد سياسات تهدف إلى الحد من النمو السكاني، إذ باتت السلطات تنظر بقلق متزايد إلى تراجع معدلات الإنجاب، في تطور يعكس تغيراً جذرياً في أولوياتها السكانية.
ووفقاً لتقارير دولية، انخفض معدل الخصوبة في الهند إلى 1.9 طفل لكل امرأة، وهو مستوى يقل عن المعدل اللازم لضمان استقرار عدد السكان على المدى الطويل. ويرى مراقبون أن هذا التحول يشكل مؤشراً على أن ظاهرة انخفاض المواليد لم تعد مقتصرة على الدول الصناعية المتقدمة، بل امتدت إلى الاقتصادات الصاعدة والنامية.
وبعد سنوات طويلة من تبني برامج للحد من الزيادة السكانية، بلغت ذروتها خلال سبعينيات القرن الماضي عبر حملات تعقيم واسعة أثارت جدلاً كبيراً، تستعد الهند اليوم لإطلاق مضامين تعليمية جديدة تسلط الضوء على المخاطر المحتملة لتراجع أعداد الأطفال، في سابقة تعكس حجم التغير الحاصل في الرؤية الرسمية.
ورغم احتفاظ الهند بمكانتها كأكثر دول العالم سكاناً بنحو 1.45 مليار نسمة، فإن المؤشرات الحالية تكشف بداية تباطؤ النمو الديموغرافي، ما يثير مخاوف من مواجهة تحديات مشابهة لتلك التي تعاني منها الصين نتيجة انخفاض معدلات الولادة وارتفاع متوسط الأعمار.
ويعزو مختصون هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل، أبرزها ارتفاع مستوى تعليم النساء، واتساع هامش استقلاليتهن في اتخاذ القرارات الأسرية، إلى جانب تحسن الرعاية الصحية وانخفاض وفيات الرضع، الأمر الذي قلص الحاجة إلى إنجاب عدد كبير من الأطفال كما كان سائداً في السابق.
كما تلعب الاعتبارات الاقتصادية دوراً محورياً في هذا التحول، إذ تواجه الأسر ضغوطاً معيشية متزايدة وارتفاعاً مستمراً في تكاليف التعليم والرعاية، ما يدفع العديد منها إلى الاكتفاء بطفل واحد أو طفلين لضمان توفير فرص أفضل لهم.
ولم يقتصر تأثير هذا التحول على الجانب الاجتماعي فحسب، بل امتد إلى المجال السياسي، حيث تخشى بعض الولايات الجنوبية من فقدان جزء من تمثيلها البرلماني ومواردها المالية مستقبلاً لصالح المناطق ذات معدلات الإنجاب الأعلى. وفي المقابل، بدأت عدة ولايات في اعتماد حوافز مالية وتشجيعية لدعم الأسر الراغبة في إنجاب المزيد من الأطفال، غير أن نتائج هذه السياسات ما تزال محدودة حتى الآن.



